أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

348

العقد الفريد

فلما دخلت على معاوية قال : مرحبا وأهلا ، قدمت خير مقدم قدمه وافد ! كيف حالك ؟ قالت : بخير يا أمير المؤمنين ، أدام اللّه لك النعمة . قال : كيف كنت في مسيرك ؟ قالت : ربيبة بيت أو طفلا ممهدا . قال : بذلك أمرناهم ، أتدرين فيم بعثت إليك ؟ قالت : أنى لي بعلم ما لم أعلم . قال : ألست الراكبة الجمل الأحمر ، والواقفة بين الصفّين يوم صفين تحضّين على القتال وتوقدين الحرب ؟ فما حملك على ذلك ؟ قالت : يا أمير المؤمنين ، مات الرأس ، وبتر الذنب ، ولم يعد ما ذهب ، والدهر ذو غير ، ومن تفكر أبصر ، والأمر يحدث بعده الأمر . قال لها معاوية : صدقت ، أتحفظين كلامك يومئذ ؟ قالت : لا واللّه لا أحفظه ، ولقد أنسيته . قال : لكني أحفظه ، للّه أبوك حين تقولين : أيها الناس ، ارعووا وارجعوا ، إنكم قد أصبحتم في فتنة غشّتكم « 1 » جلابيب الظّلم ، وجارت بكم عن قصد المحجّة ، فيا لها فتنة عمياء ، صمّاء بكماء ، لا تسمع لناعقها ، ولا تنساق لقائدها ، إن المصباح لا يضيء في الشمس ، ولا تنير الكواكب مع القمر ، ولا يقطع الحديد إلا الحديد ، ألا من استرشدنا أرشدناه ، ومن سألنا أخبرناه . أيها الناس ، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها ، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار على الغصص ، فكأن قد اندمل شعب الشّتات « 2 » ، والتأمت كلمة العدل ، ودمغ الحقّ باطله ؛ فلا يجهلنّ أحد فيقول : كيف العدل وأنّى ؟ ليقض اللّه أمرا كان مفعولا . ألا وإنّ خضاب النساء الحنّاء ، وخضاب الرجال الدماء ، ولهذا اليوم ما بعده : والصبر خير في الأمور عواقبا

--> ( 1 ) غشّتكم : ألبستكم . ( 2 ) الشتات : الفرقة .